الشيخ محمد رشيد رضا

59

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( 7 ) يمكن رد نظريات الشيخ الأشعري ونظريات شيخه الجبائي معا من وجوه أخرى على مذهب السلف الذي هو الأخذ بظواهر النصوص من أن الثواب بالايمان والعمل وان الأحكام الشرعية مبنية على الحكمة ومعللة بما يرجع إلى درء المفاسد وجلب المصالح والمنافع الدنيوية والأخروية وكون الدنيا مزرعة الآخرة وكذا على مذهب المعتزلة على ما حرره الشيخ المقبلي نقلا عن كتبهم ، فنذكر بعض ما يخطر من ذلك بالبال ، ليكون نموذجا لمن يبني عقيدته على قواعد الحجة والبرهان ويعرف الحق بنفسه لا بآراء الرجال ، فنقول : ذكر التاج السبكي في ترجمة الشيخ أنه قال للجبائي « ما قولك في ثلاثة : مؤمن وكافر وصبي ؟ فقال : المؤمن من أهل الدرجات والكافر من أهل الهلكات والصبي من أهل النجاة . فقال الشيخ فان أراد الصبي أن يرقى إلى أهل الدرجات هل يمكن ؟ قال الجبائي لا ، يقال له ان المؤمن انما نال هذه الدرجة بالطاعة وليس لك مثلها : قال الشيخ فان قال التقصير ليس منى فلو أحييتني كنت عملت من الطاعات كعمل المؤمن ، قال الجبائي يقول له اللّه كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت ولعوقبت فراعيت مصلحتك وأمتك قبل أن تنتهي إلى سن التكليف . قال الشيخ : فلو قال الكافر يا رب علمت حاله كما علمت حالي فهلا راعيت مصلحتي مثله ؟ فانقطع الجبائي » فأما جواب الجبائي الأول في المؤمن الطائع والكافر الفاسق فهو الحق الذي بينه اللّه في كتابه بقوله في جزاء المؤمنين الكاملين ( 8 : 4 أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) وقوله في جزاء الفريقين بالاجمال ( وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) * وستأتي يبا وقوله في تفصيل ذلك ( 20 : 73 إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ( 74 ) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى ) فهذه الآيات وغيرها من النصوص في المسألة بلفظ الدرجات وترتيب الجزاء على الوصف دليل على كونه علة له ، كما قاله المفسرون من الأشاعرة وغيرهم . والنصوص في ترتيب الجزاء على الايمان والكفر مع الاعمال كثيرة جدا وكذلك جوابه الأول عن مسألة الصبي فإنه لا يستحق الدرجات التي نالها المؤمن الذي عمل الصالحات بحسب وعد اللّه الحق وجزائه العدل ، ولكن ذرية المؤمنين